الخارج
والزاحف إليه ، ثم لاحظ ميمنتكم فوق الجبل وتلك الصخور المقابلة لنا ، أستطيع التسلل من الجهة الأخرى للجبل والنزول بين الصخور ، ومعي بندقية ذات منظار وكاتم للصوت اصطياد الجنود واحدا بعد الآخر ، فهاله ما سمع منه وقال له: إذا ما قيل عنك في نشرات الأخبار صحيح ، فأنت متمرّس في قتال العصابات والتخفي والظهور ، قال له : نعم لقد تدربت لسنوات عديدة وفي كليات عالمية على هذا النوع من الحروب ، حتى أني كنت الأول فيها وبشهادة الأوسمة التي تحصّلت عليها ، فسكت هنيهة ثم قال: وما الذي جعلك تلتحق بنا ، قلت : لم ألتحق بكم لقد كنت مارا ولا أعرف وجودكم هنا ، ولو عرفت لما أمسكتموني ، فقال : وأين قصدك ؟ فقلت : أرض الله واسعة هروبا من الظلم والجور والإلزام والتحتيم ، وعندها أشار إلى أحد الجنود كان مارا بقربنا وطلب منه إحضار بعض الأكل أو الفاكهة كما أوصى الأمير للأسير ثم رجع إليهما يحمل بلوطا مشويا على النار وتينا مجففا وماء ، ولبنا في إناء ، فشكر علي الجندي ، وانصرف ووضعه الحارس أمامه ، وطلب منه الأكل فرفض حتى يأكل معه ، فقال : مازلت لم تأمن بعد وجودنا معك ، فقلت: الحرص على الحياة يجعلك تتشبث بخيط من الدخان ، فضحك ثم تناول معه الفاكهة ، ثم نام قليلا إلى وقت الغداء وملاكه يحرسه . فجاءهما الغداء هذه المرة يبدو أنه خاص بأمر من الأمير، كسيرات من الدقيق نضجت على الحطب ،وزبده البقر الطازجة ولبن وتمر وكثير من العنب المجفف ، فهو غداء ملوكي في هذا المكان القفر ، وتلذذ علي بالأكل كثيرا ,كان صاحبه يشجعه على الأكل ، فأراد ممازحته ، فقال له علي : يتم تسميني للعيد ، فضحك حتى بانت نواجذه ثم قال : وخفيف الظل أيضا .
ولما كان الظهر قاما للصلاة ثنائيا مع حارسه ، ولما أتماها ، رأى الأمير وراءهما، فسلّم عليهما ثم أمر الحارس ، بالانصراف والعودة بعد مدّة ، بدأه بالأسئلة : هل أكلت طعامنا قال علي نعم ، وهو ملكيٌ اليوم ، قال: لا تلمنا فنحن نتدبر أمورنا بصعوبة كبيرة ، والأهالي الذين كانوا يساعدوننا فرضت عليهم دولة الطغاة الحصار وزجّت بآخرين في السجون ، فتشجّع للردّ عليه ، وحربكم ضد من ؟ قال: كل الطغاة في هذا البلد هم أعداؤنا ، من جيش ، ودرك ، وشرطة ، وأمن مشترك إلى غيره من الأسلاك ، قال علي : هم أفراد مأمورون يبحثون عن لقمة العيش لا غير ، فقال الأمير : لقمة العيش ليست في الجيش فهي في كل مكان ، أعطيك مثالا ، أنت لو كنت بلا عمل ، وجئت إلى الغابة وأخذت منها حطبا ، وبعته في السوق ، لأخذت رغيفك وكفيت عائلتك ، فقال: لكن الغابة أصبحت خطيرة هذه الآونة ،وقليل داخلها .فقال الأمير: أتقصد المجاهدين فقلت : بلى على مضض ، فقال: نحن مسالمون ونبحث عن لقمتنا ، ولكن بطرقنا الخاصة ، ثم أردف لا علينا ماذا قلت في التدريب ، قال علي: نعم ولكني مقيد القدمين ، قال: سنطلق سراحك يومها وتكون حرّ الحركة ، قال : أتمنى أن أكون عند حسن ظنكم ، ثم أشار إلى الحارس بالاقتراب ونهض من مكانه ، فإلتقاه الحارس ورآه يشير إلى المكانين الذين حدّثه عنهما والأمير يسمع ويتابع إشاراته إلى المكانين ، ثم تركه وذهب ، فلما وصل الحارس إليه أخبره أنه نصح الأمير باستبدال الحراسة كما أشار عليه سابقا لضعفها ،وسرّ لذلك ، أنا لم أشر عليك بل، سألتني عن الهروب ، فأعطيتك الدليل على ضعف الحراسة ، ولو أردت الفرار لما نبهتك إلى ضعفها ، فلا مكان لي اليوم إلا هذا العرين ، فأنا مطلوب إلى العدالة بتهم ثقيلة هنا وهناك أنتظر الموت في كل لحظة ، بل الموت أصبح ظلا أليفا يؤنس وحدتي يا أخي، فرآه يقترب منه بعد قوله أخي ، وأسرّ إليه أن الأمير راض عنه وكذا جموع الجنود فلا خوف عليه هنا معهم بعد أن أثبت حسن نيته ، فلا تبتئس واصبر لعل يأتي بالفرج وتكون لنا عونا على الطغاة ، بفضل ما لمسناه منك من تقنيات ، وما قيل عنك في نشرات الأخبار وتخوّف دولة المجرمين من التحاقك بالمجاهدين ، فأنت مهندس الحرب والسلام كما قيل في نشرات الإعلام ، تشجع عندها وقال: هل أستطيع الحصول على جهاز إعلام آلي لرؤية ما يقال عني ، فقال الحارس: سأحاول ولكن بعد استشارة الأمير في الصغيرة والكبيرة ، نخاف العقاب إذا أقدمنا على شيء دون الرجوع إليه . وتجاذب معه أطراف الحديث، فاستأنس به وفعل بالمثل معه حتى أمسيا صديقين أو قل أخوين على حدّ تعبيرهم في الجبال، ثم آويا إلى السرداب وتمكن من تصليح بعض القطع المتبقية من بعضها البعض وصديقه يغط في نوم عميق ، ثم استسلم بدوره إلى النوم بعد أن هجره ليومين ، ولم يستفق إلا على خشخشة خروج حارسه من السرداب فخرج وراءه وخيوط الشمس تداعب الأشجار والأرض والصخور، وزقزقة العنادل والشحارير تملأ الفضاء بالإضافة إلى خوار الأبقار وصياح الأطفال وإقبال بعضهم على عرض ما حفظوه من القرآن على شيخهم وعصاه يلوّح بها يمنة ويسرة ينهر بها الصبيان لمواصلة القراءة والحفظ ، فتذكر ما فعله بشيخه في البلدة حينما كان صبيا ، وكان عليه حفظ سور القرآن في جزء عمّ قبل الالتحاق بالمدارس ، كان يحفظ مبكرا ثم ينصرف إلى مشاغبة الصبيان وتم معاقبته بطريقة فظيعة لن ينساها ما دام على قيد الحياة وهي طريقة الفلقة وفيها يتم ثقب عصا من الوسط وإخراج حبل مفتول من ثقبين في وسطها ويتم إدخال القدمين بين الحبل والعصا ولفّها حتى لا تتحرك القدمان ثم يمسك شخصان العصا كل من طرفها وآخران من الذراعين والشيخ يهوي على القدمين ضربا فتنفلق الأقدام ومنها جاءت التسمية وهي ظهور بثور مائية على الجلد من أثر العقاب ، ولن تستطيع السير لأيام ومنها تحفظ عنوة وإجبارا ولن تعاود المشاغبة مهما كانت شجاعتك وبطولتك .
صليا بعد الوضوء وانتظار طلوع الشمس قيد رمح لأنها فاتتهم ، ثم أفطرا بجانب السرداب ، وكان يشاهد بعض النسوة في أشغالهن رائحات وغاديات ، فقال له حارسه : تستطيع خطبة إحداهن من الأمير ففيهن أرامل شهدائنا ممن قضت عليهم قوات العدو في المعارك وهناك من لهن أولاد , وأخريات دون أولاد ، فيحصل لك الأجر في رعايتها وكفالة الأيتام ، فهاله ما سمع ولم يرد عليه ، ولكنه سرح في تفكيره عن القرون الأولى وما قرأوه في كتب التاريخ عن الفتوحات الإسلامية ، والجهاد في سبيل الله ، ومعاناة الأولين في العيش والتدبير، ها قد أصبح واقعا أمام ناظره بعد أن كان نظريا ، فسأله علي : وأين يسكنّ ؟ قال في سراديب مثلنا وفي تلك الكهوف والمغارات ، تستطيع الحصول على مغارة مستقلة إذا تزوجت ، وتكوين أسرة، فلم يتمالك نفسه فضحك حتى وضع كمّه على فمه ، فقال: هذه حياتنا هنا وليس لنا الاختيار كثيرا . ثم أشار إلى ملابسه الممزقة في أنحاء من الجسم وطلب منه ملابس أخرى إن كانت متوفرة أو يقوم بغسلها من آثار الدم ، فقال : سنآتيك بملابس وزيّ إسلامي تستريح فيه أحسن من هذه الإفرنجية .
لم يغب كثيرا وعاد يحمل بعض الأغراض، كانت عبارة عن ملابس أفغانية من سروال قصير فوق الكعبين إلى قميصين أحدهما داخلي والآخر خارجي، وحذاء رياضي جديد طالما بحث عنه في الأسواق والمحلات، وجاء له بجهاز الإعلام الآلي ، فأخذ الجهاز أولا وفحصه ،والغريب أنه به إشارة ألنت ، فأرسل رسالة مشفرة إلى مسؤوله الأول مفادها أنه موجود بالمعقل ومحا أثرها تماما ، وشاهد قليلا من نشرات الأخبار المسجلة ، ثم أطفأ الجهاز وأعاده إلى حارسه فحمله ، وأعاده إلى مكانه ، فحمل نفسه وملابسه وانحدر إلى النبع القريب منهم وأخذ في غسل أطرافه ، ولما كان الماء دافئا دخل فيه واستحمّ وغيّر ملابسه واعتمر القلنسوة ونظر إلى الماء فرأى أفغانيا يطل عليه لولا لحيته التي بدأت تطل وتحاول الاستطالة فرحة بالحرية ، بعد أن كانت بالأمس بالكاد تطل فيأخذها الموس إلى قنوات الصرف، حينها سمع جلبة وصراخا في المعقل ،فخرج من الوادي السحيق وأبصر تجمعا للجنود يجرون آخر إلى الأمير وقد شمّر على ساعديه وانهال على المسكين يعذبه بالفلقة ، ولما اقترب وجده حارسه وهو يصيح وقد اختلطت دموعه بمخاطه ، فارتمى عليه دون تفكير وحاول منعهم من تعذيبه ، فرأيت الغرابة والدهشة فالعيون فقال لهم: أنا هنا لم أهرب أميري ولا دخل للمسكين فيما فعلته عندها كف الأمير عن ضربه وتأخّر قليلا وهو يلهث وافتكه من الأربعة بقوة ,راح يفك أسره من العصا ، ويمسح عنه التراب والقش والدموع والكل جاثم لا يحرّك ساكنا ، فقال: أتضربون رجلا أعزلَ ، لا ذنب له ؟ لقد كنت أستحم لأغيّر ملابسي , وقد طلبت منه ذلك ، فوجّه إليه أحدهم مسدسا أوتوماتيكيا إلى جبينه بينما كان يحمي الحارس ، فوقف و المسدس إلى رأسه وبحركة رياضية كان قد تعلمها في مختلف الأكاديميات عن افتكاك المسدس من الأعداء جعله في يديه اليمنى وصوبه نحو جبين الجندي وضغطت على زناد الأمان كأنه يريد إرداءه وقال للجندي : لا تسحب المسدس أبدا مادمت غير قادر على حمايته من الضياع ، وهنا سمع بقية الجنود يضغطون على زناد الأمان في أسلحتهم ، وبحركة أخرى استطاع وضع المسدس في يده ثانية ، وحمل حارسه إلى جوار السرداب والكل مازال مسمّرا في مكانه لا يحرك ساكنا عجبا ودهشة ، حتى الأمير سمعه يحولق ويكبّر ، أما حارسه فقد أمسكنه من قفاه وطوّقه بكلتا يديه وهو ينظر إليه في حنان و يئن من الألم ، وضعه أرضا وأخذ في ربط قدميه من الأسفل بكمادات قماشية أضاف لها بعض الحشائش ودقّها ناعمة بين الصخور ، وكان يلقي نظرات متكررة إلى حيث الأمير وزبانيته فهم مافتئوا ينظرون إليهما ويتبادلون الحديث بينهم ، ولكنه لم يعرهم اهتماما وعكف على تطبيب صاحبه ، فأحس بالراحة بعد وضع الكمادات على جروحه ، وصار يواسيه ويقول : أنا السبب ما كان علي المغادرة دون إذنك .فقال له الحارس: إنه جهاز الإعلام الآلي الذي أوصلني مم أنا فيه ، فلقد أخذته دون علم الأمير وقد رآني الضابط الشرعي وأخبر الأمير ، فعاقبني ، فقال: لا عليك ، كل شيء انتهى ولا تتحرك ، سأكون خادمك هذه الأيام حتى تندمل جروحك ، فشكرني , ودعا لي بفك الأسر فقلت : هاهنا باقون وميتون ، وعندما أسدل الليل ظلامه على المنطقة ، أدخل رفيقه إلى السرداب دون أكل ، ولكن الضابط الشرعي نادى يا أسير ، فخرج إليه فوجده يحمل أكلا وماء ، وقال : إنها من الأمير نفسه إليكما ، ولكني سأردّ لك ما فعلته بي اليوم أمام الجميع صاعين وأزيد ، فسكت ثم انصرف ولم يخبر حارسه بما سمعه فكتمها لنفسه، ورجا الله أن يلتقي بهذا الزنديق رأسا ليحاسبه على فعلته . أكلا ثم تجاذبا أطراف الحديث ليلتها، وكان يفكر في عواقب الأمور، وكيفية التصرّف مستقبلا، للنجاة بنفسه أو الاندماج في الحياة الجديدة، والتقرب إلى الأمير.
ولكنه آثر الانتقام لحارسه ولنفسه من الضابط الشرعي ، ويخلص الشرع منه ومن فتاويه الجائرة والتي لا تستند للإسلام في شيء ، فقرّر التخلّص منه بذكاء خارق ، وأن لا يلفت الانتباه إليه أو إلى الحارس المسكين ، فحمل خنجرا مخصصا للرشاشات في غفلة من صاحبه وطلب منه البقاء في السرداب إلى حين قضاء حاجته البيولوجية ، وخرج إلى حيث أماكن طهو الطعام ، ونزع من ثيابه ما استطاع ثم بلّل الرماد وطلا به أماكن من جسمه ، فأصبح شبحا لا يرى إلا بريقا من عيونه ، ثم جلس يراقب الخارجين والداخلين إلى المغارات بينما كان الحراس يتجولون قريبا منه بل كاد أحدهم التعثر بجسمه الملتصق بالأرض ، ولكنه فضّل عدم قتله والتريث لغريمه الذي هدّده ، وما هي إلا سويعات حتى رآه يخرج من عرينه يلتحف إزارا ، وابتعد قليلا عن المغارة ليقضي حاجته في الخلاء جلوسا فزحف إليه زحف الأفعى الجائعة ووصل إليه بينما كان يتغوّط فكمّم فمه وجرّ خنجره من وريد ه الأيسر إلى الأيمن قاطعا كل الشرايين حتى وصلت مديته إلى فقرات الرقبة وتركه يسبح في دمه ثم توجه إلى الينبوع واغتسل من الرماد وان كان الماء باردا ولكن التخلّص من غريمه أكسبه الكثير من الحرارة والأدرينالين ولبس ثيابه التي تركتها قرب مواقد الطعام وعاد متسللا كما خرج ، رغم بعض الخدوش البسيطة اثر الزحف على الأشواك والحجارة فوجد صاحبه نائما دون حراك ، آوى إلى الفراش كأن شيئا لم يكن ، وما استفاق إلا على جلبة ،وضجيج وصراخ ولم ينهض من مكانه فناداه رفيقه في السرداب وقال:ما الذي يجري خارجا ؟ فقال : لست أدري ، فساعده في الخروج من السرداب ورأيا حالة للطوارئ الكل يمسك بالأسلحة ويفتشون الأرض والنباتات والأشجار والسماء ويجرون في جميع الاتجاهات ، فقال لجندي كان يمر بقربهما ما الذي يحدث ؟ فقال: وهو يجري لقد ذبحوا الضابط الشرعي للجماعة ، فالتفت إليه رفيقه وقال لقد انتقم منه الله ، لقد كان لي ندا والغرور يملأه والجميع هنا يكن له الكره والضغينة ، لقد أفتى في حق الكثير من إخواننا سابقا وتم إعدامهم لأسباب واهية ، وتم اقتياد أربعة من الجنود الحراس إلى الأمير الذي ارتقى إلى صخرته التي جعلها منبرا وتقدم علي إليهم بضع خطوات ، فسمعه يقول : بعد أن تلا مجموعة من الآيات على مسامع المقتادين إليه ثم أردف قائلا نظرا للتهاون في الحراسة والتسيب الواضح واللامسؤولية في حفظ الأمن والأمان حكمنا بشرع الله بإعدام المتخاذلين ، وتم تصفيتهم على طريقة النازيين ،رصاصة في مؤخرة القفا ، ثم حملوهم إلى مكان مجهول للدفن ، فرآه الأمير غير بعيد أشار إليه بالدنو منه ، فدنا وسلمت وقلت بخبث : البقاء والدوام لله ، أعظم الله أجركم في مصابكم أميرنا ، فقال : لا أراكم الله مكروها ، هل تحسنت حالتك ؟ هي في التحسن يا أمير ، وكيف حال حارسك ؟ قلت : لقد بت عند رأسه أغير له كمادات الحرارة وأخرى لقدميه ، فقال : لقد شفعت فيه وشفع فيك ، اليوم ستكون معي في اجتماع عند الظهيرة لطرح بعض المواضيع الهامة والإشراف على التدريبات ونظر إلى قدمي دون أغلال ، فقلت نزعتها للتو لمساعدة حارسي على الخروج فأنا آسف أميري ، فقال : كنت أنوي نزعها من قدميك بنفسي ثم أشار إليه بالانصراف وعاد إلى رفيقه وسأله عمّ دار بينه وبين الأمير فأخبره ، فسرّ لذلك وقال: تستحق ذلك وأكثر ، فقال علي : وما الذي أستحقه فقال : رضى الأمير عنك وعفوه خطوة جبّارة إلى ملازمته والحصول على منصب مرموق في الإمارة .
لم يرد عليه علي وتزاحمت الأفكار مرّة أخرى في خَلَده ، فقد تجاوز مرحلة مهمة وخطيرة في مهمته ، وعليه التفكير في خطوات جريئة وذكية ، تخلصه من هذا الكيان الذي ينخر جسم الشعب ، حتى الذين يلتحقون بفلول الجماعات المسلحة ، يتفاجأون بالجنة الموعودة ، ويصطدمون بالواقع المرّ ، فتشَل حركتهم ، ولا يجدون سبيلا للعودة إلى جادة الصواب ، فلقد وقعوا بين مطرقة الجماعات إن هم خالفوا الأوامر وهمّوا بالنزول من الجبال وعادوا إلى جادة الصواب فيلحقهم الويل والثبور منهم ، وسندان الدولة والأمن المشترك لمكافحة الجماعات الإسلامية والإرهاب فهم يعتبرونهم خرجوا عن القانون ولابد للنواميس من أخذ مجراها
حمادي أحمد آل حمزة الجزائر
1_ الرواية المسلسلة في الجبال مع الجماعات المسلحة
2 _كل يوم ثلاث صفحات .حتى نهاية الرواية
والزاحف إليه ، ثم لاحظ ميمنتكم فوق الجبل وتلك الصخور المقابلة لنا ، أستطيع التسلل من الجهة الأخرى للجبل والنزول بين الصخور ، ومعي بندقية ذات منظار وكاتم للصوت اصطياد الجنود واحدا بعد الآخر ، فهاله ما سمع منه وقال له: إذا ما قيل عنك في نشرات الأخبار صحيح ، فأنت متمرّس في قتال العصابات والتخفي والظهور ، قال له : نعم لقد تدربت لسنوات عديدة وفي كليات عالمية على هذا النوع من الحروب ، حتى أني كنت الأول فيها وبشهادة الأوسمة التي تحصّلت عليها ، فسكت هنيهة ثم قال: وما الذي جعلك تلتحق بنا ، قلت : لم ألتحق بكم لقد كنت مارا ولا أعرف وجودكم هنا ، ولو عرفت لما أمسكتموني ، فقال : وأين قصدك ؟ فقلت : أرض الله واسعة هروبا من الظلم والجور والإلزام والتحتيم ، وعندها أشار إلى أحد الجنود كان مارا بقربنا وطلب منه إحضار بعض الأكل أو الفاكهة كما أوصى الأمير للأسير ثم رجع إليهما يحمل بلوطا مشويا على النار وتينا مجففا وماء ، ولبنا في إناء ، فشكر علي الجندي ، وانصرف ووضعه الحارس أمامه ، وطلب منه الأكل فرفض حتى يأكل معه ، فقال : مازلت لم تأمن بعد وجودنا معك ، فقلت: الحرص على الحياة يجعلك تتشبث بخيط من الدخان ، فضحك ثم تناول معه الفاكهة ، ثم نام قليلا إلى وقت الغداء وملاكه يحرسه . فجاءهما الغداء هذه المرة يبدو أنه خاص بأمر من الأمير، كسيرات من الدقيق نضجت على الحطب ،وزبده البقر الطازجة ولبن وتمر وكثير من العنب المجفف ، فهو غداء ملوكي في هذا المكان القفر ، وتلذذ علي بالأكل كثيرا ,كان صاحبه يشجعه على الأكل ، فأراد ممازحته ، فقال له علي : يتم تسميني للعيد ، فضحك حتى بانت نواجذه ثم قال : وخفيف الظل أيضا .
ولما كان الظهر قاما للصلاة ثنائيا مع حارسه ، ولما أتماها ، رأى الأمير وراءهما، فسلّم عليهما ثم أمر الحارس ، بالانصراف والعودة بعد مدّة ، بدأه بالأسئلة : هل أكلت طعامنا قال علي نعم ، وهو ملكيٌ اليوم ، قال: لا تلمنا فنحن نتدبر أمورنا بصعوبة كبيرة ، والأهالي الذين كانوا يساعدوننا فرضت عليهم دولة الطغاة الحصار وزجّت بآخرين في السجون ، فتشجّع للردّ عليه ، وحربكم ضد من ؟ قال: كل الطغاة في هذا البلد هم أعداؤنا ، من جيش ، ودرك ، وشرطة ، وأمن مشترك إلى غيره من الأسلاك ، قال علي : هم أفراد مأمورون يبحثون عن لقمة العيش لا غير ، فقال الأمير : لقمة العيش ليست في الجيش فهي في كل مكان ، أعطيك مثالا ، أنت لو كنت بلا عمل ، وجئت إلى الغابة وأخذت منها حطبا ، وبعته في السوق ، لأخذت رغيفك وكفيت عائلتك ، فقال: لكن الغابة أصبحت خطيرة هذه الآونة ،وقليل داخلها .فقال الأمير: أتقصد المجاهدين فقلت : بلى على مضض ، فقال: نحن مسالمون ونبحث عن لقمتنا ، ولكن بطرقنا الخاصة ، ثم أردف لا علينا ماذا قلت في التدريب ، قال علي: نعم ولكني مقيد القدمين ، قال: سنطلق سراحك يومها وتكون حرّ الحركة ، قال : أتمنى أن أكون عند حسن ظنكم ، ثم أشار إلى الحارس بالاقتراب ونهض من مكانه ، فإلتقاه الحارس ورآه يشير إلى المكانين الذين حدّثه عنهما والأمير يسمع ويتابع إشاراته إلى المكانين ، ثم تركه وذهب ، فلما وصل الحارس إليه أخبره أنه نصح الأمير باستبدال الحراسة كما أشار عليه سابقا لضعفها ،وسرّ لذلك ، أنا لم أشر عليك بل، سألتني عن الهروب ، فأعطيتك الدليل على ضعف الحراسة ، ولو أردت الفرار لما نبهتك إلى ضعفها ، فلا مكان لي اليوم إلا هذا العرين ، فأنا مطلوب إلى العدالة بتهم ثقيلة هنا وهناك أنتظر الموت في كل لحظة ، بل الموت أصبح ظلا أليفا يؤنس وحدتي يا أخي، فرآه يقترب منه بعد قوله أخي ، وأسرّ إليه أن الأمير راض عنه وكذا جموع الجنود فلا خوف عليه هنا معهم بعد أن أثبت حسن نيته ، فلا تبتئس واصبر لعل يأتي بالفرج وتكون لنا عونا على الطغاة ، بفضل ما لمسناه منك من تقنيات ، وما قيل عنك في نشرات الأخبار وتخوّف دولة المجرمين من التحاقك بالمجاهدين ، فأنت مهندس الحرب والسلام كما قيل في نشرات الإعلام ، تشجع عندها وقال: هل أستطيع الحصول على جهاز إعلام آلي لرؤية ما يقال عني ، فقال الحارس: سأحاول ولكن بعد استشارة الأمير في الصغيرة والكبيرة ، نخاف العقاب إذا أقدمنا على شيء دون الرجوع إليه . وتجاذب معه أطراف الحديث، فاستأنس به وفعل بالمثل معه حتى أمسيا صديقين أو قل أخوين على حدّ تعبيرهم في الجبال، ثم آويا إلى السرداب وتمكن من تصليح بعض القطع المتبقية من بعضها البعض وصديقه يغط في نوم عميق ، ثم استسلم بدوره إلى النوم بعد أن هجره ليومين ، ولم يستفق إلا على خشخشة خروج حارسه من السرداب فخرج وراءه وخيوط الشمس تداعب الأشجار والأرض والصخور، وزقزقة العنادل والشحارير تملأ الفضاء بالإضافة إلى خوار الأبقار وصياح الأطفال وإقبال بعضهم على عرض ما حفظوه من القرآن على شيخهم وعصاه يلوّح بها يمنة ويسرة ينهر بها الصبيان لمواصلة القراءة والحفظ ، فتذكر ما فعله بشيخه في البلدة حينما كان صبيا ، وكان عليه حفظ سور القرآن في جزء عمّ قبل الالتحاق بالمدارس ، كان يحفظ مبكرا ثم ينصرف إلى مشاغبة الصبيان وتم معاقبته بطريقة فظيعة لن ينساها ما دام على قيد الحياة وهي طريقة الفلقة وفيها يتم ثقب عصا من الوسط وإخراج حبل مفتول من ثقبين في وسطها ويتم إدخال القدمين بين الحبل والعصا ولفّها حتى لا تتحرك القدمان ثم يمسك شخصان العصا كل من طرفها وآخران من الذراعين والشيخ يهوي على القدمين ضربا فتنفلق الأقدام ومنها جاءت التسمية وهي ظهور بثور مائية على الجلد من أثر العقاب ، ولن تستطيع السير لأيام ومنها تحفظ عنوة وإجبارا ولن تعاود المشاغبة مهما كانت شجاعتك وبطولتك .
صليا بعد الوضوء وانتظار طلوع الشمس قيد رمح لأنها فاتتهم ، ثم أفطرا بجانب السرداب ، وكان يشاهد بعض النسوة في أشغالهن رائحات وغاديات ، فقال له حارسه : تستطيع خطبة إحداهن من الأمير ففيهن أرامل شهدائنا ممن قضت عليهم قوات العدو في المعارك وهناك من لهن أولاد , وأخريات دون أولاد ، فيحصل لك الأجر في رعايتها وكفالة الأيتام ، فهاله ما سمع ولم يرد عليه ، ولكنه سرح في تفكيره عن القرون الأولى وما قرأوه في كتب التاريخ عن الفتوحات الإسلامية ، والجهاد في سبيل الله ، ومعاناة الأولين في العيش والتدبير، ها قد أصبح واقعا أمام ناظره بعد أن كان نظريا ، فسأله علي : وأين يسكنّ ؟ قال في سراديب مثلنا وفي تلك الكهوف والمغارات ، تستطيع الحصول على مغارة مستقلة إذا تزوجت ، وتكوين أسرة، فلم يتمالك نفسه فضحك حتى وضع كمّه على فمه ، فقال: هذه حياتنا هنا وليس لنا الاختيار كثيرا . ثم أشار إلى ملابسه الممزقة في أنحاء من الجسم وطلب منه ملابس أخرى إن كانت متوفرة أو يقوم بغسلها من آثار الدم ، فقال : سنآتيك بملابس وزيّ إسلامي تستريح فيه أحسن من هذه الإفرنجية .
لم يغب كثيرا وعاد يحمل بعض الأغراض، كانت عبارة عن ملابس أفغانية من سروال قصير فوق الكعبين إلى قميصين أحدهما داخلي والآخر خارجي، وحذاء رياضي جديد طالما بحث عنه في الأسواق والمحلات، وجاء له بجهاز الإعلام الآلي ، فأخذ الجهاز أولا وفحصه ،والغريب أنه به إشارة ألنت ، فأرسل رسالة مشفرة إلى مسؤوله الأول مفادها أنه موجود بالمعقل ومحا أثرها تماما ، وشاهد قليلا من نشرات الأخبار المسجلة ، ثم أطفأ الجهاز وأعاده إلى حارسه فحمله ، وأعاده إلى مكانه ، فحمل نفسه وملابسه وانحدر إلى النبع القريب منهم وأخذ في غسل أطرافه ، ولما كان الماء دافئا دخل فيه واستحمّ وغيّر ملابسه واعتمر القلنسوة ونظر إلى الماء فرأى أفغانيا يطل عليه لولا لحيته التي بدأت تطل وتحاول الاستطالة فرحة بالحرية ، بعد أن كانت بالأمس بالكاد تطل فيأخذها الموس إلى قنوات الصرف، حينها سمع جلبة وصراخا في المعقل ،فخرج من الوادي السحيق وأبصر تجمعا للجنود يجرون آخر إلى الأمير وقد شمّر على ساعديه وانهال على المسكين يعذبه بالفلقة ، ولما اقترب وجده حارسه وهو يصيح وقد اختلطت دموعه بمخاطه ، فارتمى عليه دون تفكير وحاول منعهم من تعذيبه ، فرأيت الغرابة والدهشة فالعيون فقال لهم: أنا هنا لم أهرب أميري ولا دخل للمسكين فيما فعلته عندها كف الأمير عن ضربه وتأخّر قليلا وهو يلهث وافتكه من الأربعة بقوة ,راح يفك أسره من العصا ، ويمسح عنه التراب والقش والدموع والكل جاثم لا يحرّك ساكنا ، فقال: أتضربون رجلا أعزلَ ، لا ذنب له ؟ لقد كنت أستحم لأغيّر ملابسي , وقد طلبت منه ذلك ، فوجّه إليه أحدهم مسدسا أوتوماتيكيا إلى جبينه بينما كان يحمي الحارس ، فوقف و المسدس إلى رأسه وبحركة رياضية كان قد تعلمها في مختلف الأكاديميات عن افتكاك المسدس من الأعداء جعله في يديه اليمنى وصوبه نحو جبين الجندي وضغطت على زناد الأمان كأنه يريد إرداءه وقال للجندي : لا تسحب المسدس أبدا مادمت غير قادر على حمايته من الضياع ، وهنا سمع بقية الجنود يضغطون على زناد الأمان في أسلحتهم ، وبحركة أخرى استطاع وضع المسدس في يده ثانية ، وحمل حارسه إلى جوار السرداب والكل مازال مسمّرا في مكانه لا يحرك ساكنا عجبا ودهشة ، حتى الأمير سمعه يحولق ويكبّر ، أما حارسه فقد أمسكنه من قفاه وطوّقه بكلتا يديه وهو ينظر إليه في حنان و يئن من الألم ، وضعه أرضا وأخذ في ربط قدميه من الأسفل بكمادات قماشية أضاف لها بعض الحشائش ودقّها ناعمة بين الصخور ، وكان يلقي نظرات متكررة إلى حيث الأمير وزبانيته فهم مافتئوا ينظرون إليهما ويتبادلون الحديث بينهم ، ولكنه لم يعرهم اهتماما وعكف على تطبيب صاحبه ، فأحس بالراحة بعد وضع الكمادات على جروحه ، وصار يواسيه ويقول : أنا السبب ما كان علي المغادرة دون إذنك .فقال له الحارس: إنه جهاز الإعلام الآلي الذي أوصلني مم أنا فيه ، فلقد أخذته دون علم الأمير وقد رآني الضابط الشرعي وأخبر الأمير ، فعاقبني ، فقال: لا عليك ، كل شيء انتهى ولا تتحرك ، سأكون خادمك هذه الأيام حتى تندمل جروحك ، فشكرني , ودعا لي بفك الأسر فقلت : هاهنا باقون وميتون ، وعندما أسدل الليل ظلامه على المنطقة ، أدخل رفيقه إلى السرداب دون أكل ، ولكن الضابط الشرعي نادى يا أسير ، فخرج إليه فوجده يحمل أكلا وماء ، وقال : إنها من الأمير نفسه إليكما ، ولكني سأردّ لك ما فعلته بي اليوم أمام الجميع صاعين وأزيد ، فسكت ثم انصرف ولم يخبر حارسه بما سمعه فكتمها لنفسه، ورجا الله أن يلتقي بهذا الزنديق رأسا ليحاسبه على فعلته . أكلا ثم تجاذبا أطراف الحديث ليلتها، وكان يفكر في عواقب الأمور، وكيفية التصرّف مستقبلا، للنجاة بنفسه أو الاندماج في الحياة الجديدة، والتقرب إلى الأمير.
ولكنه آثر الانتقام لحارسه ولنفسه من الضابط الشرعي ، ويخلص الشرع منه ومن فتاويه الجائرة والتي لا تستند للإسلام في شيء ، فقرّر التخلّص منه بذكاء خارق ، وأن لا يلفت الانتباه إليه أو إلى الحارس المسكين ، فحمل خنجرا مخصصا للرشاشات في غفلة من صاحبه وطلب منه البقاء في السرداب إلى حين قضاء حاجته البيولوجية ، وخرج إلى حيث أماكن طهو الطعام ، ونزع من ثيابه ما استطاع ثم بلّل الرماد وطلا به أماكن من جسمه ، فأصبح شبحا لا يرى إلا بريقا من عيونه ، ثم جلس يراقب الخارجين والداخلين إلى المغارات بينما كان الحراس يتجولون قريبا منه بل كاد أحدهم التعثر بجسمه الملتصق بالأرض ، ولكنه فضّل عدم قتله والتريث لغريمه الذي هدّده ، وما هي إلا سويعات حتى رآه يخرج من عرينه يلتحف إزارا ، وابتعد قليلا عن المغارة ليقضي حاجته في الخلاء جلوسا فزحف إليه زحف الأفعى الجائعة ووصل إليه بينما كان يتغوّط فكمّم فمه وجرّ خنجره من وريد ه الأيسر إلى الأيمن قاطعا كل الشرايين حتى وصلت مديته إلى فقرات الرقبة وتركه يسبح في دمه ثم توجه إلى الينبوع واغتسل من الرماد وان كان الماء باردا ولكن التخلّص من غريمه أكسبه الكثير من الحرارة والأدرينالين ولبس ثيابه التي تركتها قرب مواقد الطعام وعاد متسللا كما خرج ، رغم بعض الخدوش البسيطة اثر الزحف على الأشواك والحجارة فوجد صاحبه نائما دون حراك ، آوى إلى الفراش كأن شيئا لم يكن ، وما استفاق إلا على جلبة ،وضجيج وصراخ ولم ينهض من مكانه فناداه رفيقه في السرداب وقال:ما الذي يجري خارجا ؟ فقال : لست أدري ، فساعده في الخروج من السرداب ورأيا حالة للطوارئ الكل يمسك بالأسلحة ويفتشون الأرض والنباتات والأشجار والسماء ويجرون في جميع الاتجاهات ، فقال لجندي كان يمر بقربهما ما الذي يحدث ؟ فقال: وهو يجري لقد ذبحوا الضابط الشرعي للجماعة ، فالتفت إليه رفيقه وقال لقد انتقم منه الله ، لقد كان لي ندا والغرور يملأه والجميع هنا يكن له الكره والضغينة ، لقد أفتى في حق الكثير من إخواننا سابقا وتم إعدامهم لأسباب واهية ، وتم اقتياد أربعة من الجنود الحراس إلى الأمير الذي ارتقى إلى صخرته التي جعلها منبرا وتقدم علي إليهم بضع خطوات ، فسمعه يقول : بعد أن تلا مجموعة من الآيات على مسامع المقتادين إليه ثم أردف قائلا نظرا للتهاون في الحراسة والتسيب الواضح واللامسؤولية في حفظ الأمن والأمان حكمنا بشرع الله بإعدام المتخاذلين ، وتم تصفيتهم على طريقة النازيين ،رصاصة في مؤخرة القفا ، ثم حملوهم إلى مكان مجهول للدفن ، فرآه الأمير غير بعيد أشار إليه بالدنو منه ، فدنا وسلمت وقلت بخبث : البقاء والدوام لله ، أعظم الله أجركم في مصابكم أميرنا ، فقال : لا أراكم الله مكروها ، هل تحسنت حالتك ؟ هي في التحسن يا أمير ، وكيف حال حارسك ؟ قلت : لقد بت عند رأسه أغير له كمادات الحرارة وأخرى لقدميه ، فقال : لقد شفعت فيه وشفع فيك ، اليوم ستكون معي في اجتماع عند الظهيرة لطرح بعض المواضيع الهامة والإشراف على التدريبات ونظر إلى قدمي دون أغلال ، فقلت نزعتها للتو لمساعدة حارسي على الخروج فأنا آسف أميري ، فقال : كنت أنوي نزعها من قدميك بنفسي ثم أشار إليه بالانصراف وعاد إلى رفيقه وسأله عمّ دار بينه وبين الأمير فأخبره ، فسرّ لذلك وقال: تستحق ذلك وأكثر ، فقال علي : وما الذي أستحقه فقال : رضى الأمير عنك وعفوه خطوة جبّارة إلى ملازمته والحصول على منصب مرموق في الإمارة .
لم يرد عليه علي وتزاحمت الأفكار مرّة أخرى في خَلَده ، فقد تجاوز مرحلة مهمة وخطيرة في مهمته ، وعليه التفكير في خطوات جريئة وذكية ، تخلصه من هذا الكيان الذي ينخر جسم الشعب ، حتى الذين يلتحقون بفلول الجماعات المسلحة ، يتفاجأون بالجنة الموعودة ، ويصطدمون بالواقع المرّ ، فتشَل حركتهم ، ولا يجدون سبيلا للعودة إلى جادة الصواب ، فلقد وقعوا بين مطرقة الجماعات إن هم خالفوا الأوامر وهمّوا بالنزول من الجبال وعادوا إلى جادة الصواب فيلحقهم الويل والثبور منهم ، وسندان الدولة والأمن المشترك لمكافحة الجماعات الإسلامية والإرهاب فهم يعتبرونهم خرجوا عن القانون ولابد للنواميس من أخذ مجراها
حمادي أحمد آل حمزة الجزائر
1_ الرواية المسلسلة في الجبال مع الجماعات المسلحة
2 _كل يوم ثلاث صفحات .حتى نهاية الرواية

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق